محمد طاهر الكردي
9
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
التجاري في مصر . قال صديقنا الأستاذ صادق بازرعة : هذه المسألة لا يصلح لها إلا السيد محمد عرفة شيخ المسجد الحسيني ، كان ذلك في رمضان وجامع سيدنا الحسين قريب من وكالة بازرعة فذهبنا وأدينا صلاة العصر وشرحنا الموضوع للسيد محمد عرفة ، وكان يحضر للحج وكنت أراه في مكة المكرمة ، وهو رجل يجمع بين وقار العلم وحدّة الذكاء وكانت صلاته بطبقات المجتمع المختلفة قوية ومتينة ، فتجد في غرفته الملحقة بالجامع الحسيني العلية من الناس من الباشوات والبكوات إلى عامة الناس وأوساطهم ، استدعى السيد محمد عرفة ابنه وكان موظفا بوزارة الأوقاف وقال له : أريدك أن تحضر لي غدا الشيخ محمد علي الضباع شيخ المقارئ المصرية ليصلي العصر هنا ، والتفت إليّ قائلا وستصلي العصر معنا هنا يا حاج . . فشكرته واجتمعنا في صلاة العصر في اليوم الثاني ، الشيخ الضباع وأنا وصادق سعيد بازرعة ، وأخبر السيد عرفة الشيخ الضباع بالغرض الذي دعاه من أجله ، وأوصاه بنا خيرا ، واتفقنا مع الشيخ الضباع على الأجر الخاص بالتصحيح كما جرى الاتفاق مع المصنع الذي يعمل الإكليشيهات حيث ترسل الصفحات التي يتم تصحيحها من الشيخ الضباع إلى المصنع فإذا تم عمل الزنكات طبعت عليها نماذج وأرسلت للشيخ مرة أخرى ليعيد تصحيحها ، وتستمر هذه العملية إلى أن يتم عليها التصحيح النهائي للمصحف مع إتمام صنع الإكليشيهات ، ثم تصدر الرخصة من مشيخة المقارئ المصرية بالطبع . مكثت بضعة شهور في مصر وأنا أتردد أسبوعيا وبعض الأحيان في كل ثلاثة أيام على الشيخ الضباع في بيته بالجيزة وعلى المصنع الذي يصنع الإكليشيهات في شارع عبد العزيز وكان صاحب المصنع أرمنيا شهيرا بصناعة الحفر وقد جعلنا الاكليشيهات بحجمين أحدهما المقاس المتوسط العادي والثاني المقاس الصغير وتم التصحيح النهائي أخيرا بعد أن كادت إطارات السيارة الصغيرة الهيلمان التي تقلني إلى الجيزة وتعيدني منها كادت إطاراتها تذوب من كثرة الغدوّ والرواح ، وكانت السيارات كما كانت الإطارات عزيزة في أيام الحرب العالمية الثانية وغالية الأثمان . انتهت الإكليشيهات وبدأت أفكر في الطريقة التي يمكن بها تصديرها من القاهرة إلى الحجاز وكانت القيود على التصدير بالغة الشدة وأدركت أنني لو اتبعت الطرق المعتادة لتعبت بالغ التعب دون نتائج مفيدة . وفي ذلك الوقت بالذات وصل جلالة المغفور له الملك عبد العزيز في زيارته الرسمية إلى مصر وكان بصحبته معالي الشيخ عبد اللّه السليمان وزير المالية الأسبق ،